مدرسة محمد عبده
مرحبا بزوار المنتدى الكرام . انضممامكم للمنتدى شرف نعتز به

مدرسة محمد عبده

منتدى لتبادل الخبرات و التجارب في ميدان التربية و التعليم
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 حين يغضب المعلمون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mounji
Admin
avatar

عدد الرسائل : 3388
الموقع : مدرسة محمد عبده
جنسيتك : مغربية
تاريخ التسجيل : 03/02/2009

مُساهمةموضوع: حين يغضب المعلمون   الثلاثاء 22 يناير - 22:31


حين يغضب المعلمون.

. يقربنا الجاحظ في نوادره عن المعلمين من واقع شبيه بالذي نحياه اليوم، طبعا مع مراعاة فروق التوقيت الحضاري ! ولا نبالغ إذا اعتبرنا ما خطته يداه في هذا الشأن بمثابة تأصيل وحفز على توسيع رقعة السخرية من المعلمين... ، والحط من مكانتهم واعتبارهم داخل المجتمع. وهو ما حذا بالكُتاب من بعده للنسج على غراره تأليفا واقتباسا، حتى أن الحافظ ابن الجوزي لم يتورع عن تخصيص باب من كتابه " أخبار الحمقى والمغفلين " لتأكيد استحقاق فئة المعلمين لكل ضروب السخرية والتنكيت. فيستهل حديثه عن المغفلين من المعلمين بقوله "وهذا شيء قل أن يُخطيء، و لا نظن السبب في ذلك إلا معاشرة الصبيان " ثم يورد مقولة للخليفة المأمون تعزو غفلة المعلمين وبلادتهم لعنائهم الدائم في تبديد ظلمات الجهل ! " وقد بلغني أن بعض المؤدبين للمأمون أساء أدبه على المأمون وكان صغيرا فقال المأمون : ما ظنك بمن يجلو عقولنا بأدبه ويصدأ عقله بجهلنا ويوقرنا بزكاته و نستخفه بطيشنا و يشحذ أذهاننا بفوائده و يكل ذهنه بغينا فلا يزال يعارض بعلمه جهلنا و بيقظته غفلتنا و بكماله نقصنا حتى نستغرق محمود خصاله ويستغرق مذموم خصالنا فإذا برعنا في الاستفادة برع هو في البلادة وإذا تحلينا بأوفر الآداب تعطل من جميع الأسباب فنحن الدهر ننزع منه آدابه المكتسبة فنستفيدها دونه ونثبت فيه أخلاقنا الغريزية فينفرد بها دوننا فهو طول عمره يُكسبنا عقلا ويكتسب منا جهلا فهو كذبالة السراج ودودة القز " (1) بمعنى أن بلادة المعلمين برأي هذا الخليفة ناشئة عن لعبة تبادل أدوار يستنزف خلالها الصبيان نباهة معلميهم وأدبهم وعلمهم ليُكسبوهم صفات البلادة والغفلة، وهي صفات حملت الفقهاء والقضاة برأي الجاحظ على رد شهادة المعلمين في النوازل والدعاوى حتى قيل أن عقل امرأة يعدل سبعين حائكا، وعقل حائك يعدل سبعين معلما و السبب أنه مع الصبيان بالنهار ومع النساء بالليل ! (2).


إن العودة إلى الجاحظ تكشف عراقة هذا النمط من السخرية وشيوعه في المجتمع الإسلامي كأحد أهم الاختلالات القيمية. فمن المحير فعلا أن تتسم مهنة التعليم بالوضاعة في عصر شهد ازدهارا علميا ومعرفيا رائدا، غير أن هذه الحيرة سرعان ما تتبدد أمام تعليل وجيه يطرحه آدم ميتز في كتابه المميز "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري " ومفاده أن كثيرا مما لحق المعلمين من ضروب الاستهزاء إنما يقع إثمه على الروايات اليونانية الهزلية لأن المعلم فيها كان من الشخصيات المضحكة ! (3).
ورغم التبجيل الذي قوبل به المعلمون مطلع القرن العشرين حين نظم أحمد شوقي رائعته الشهيرة " قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا " إلا أن مسلسل اللمز والتبخيس من قدرهم لم يتوقف. فتواترت المئات من النكت والكتابات الساخرة التي تحمل المعلم وزر التخلف والانكسار الحضاري، وتعتبره المسؤول عن الانفلات القيمي الحاصل !.


إن الغضب التعليمي الذي تستبطنه اليوم عشرات الاحتجاجات والإضرابات وبيانات الاستنكار والتنديد لا ينبغي قصره دوما على المطلب المادي بل هو يعكس في الحقيقة مرارة وغبنا جراء اتساع دائرة التبخيس، وتعدد مظاهر النيل من شرف المهنة وكرامة القائم عليها. فالتصور التربوي القديم الذي يعد المدرس مجرد ناقل للمعرفة في شكلها الأولي لا يزال يخيم على العقول رغم النقلة المعرفية التي يشهدها حقل التربية، وهو ما يؤثر سلبا على مكانته في سلم القيمة الفكرية :" إن مهنة المربي لم تكتسب بعد في مجتمعاتنا المكانة الطبيعية التي يؤهلها لها حقها في اتخاذ مكانها على سلم القيمة الفكرية. فالمحامي حتى وإن لم يكن ذا ذكاء عال إنما هو مدين فيما يتمتع به من احترام إلى علم محترم ، إذ أن القانون يستمد مركزه من منابع محدودة بوضوح مصدرُها أساتذة الجامعة. و إن الطبيب حتى وإن لم يفلح دوما في شفاء مرضاه إنما يمثل علما أجوف يتطلب اكتسابه جهودا مضنية وأساليب معينة، ويمثل المدرس في الجامعة ما يدرسه من علم يكرس له حياته في سبيل تقدمه. و إن ما يفتقر إليه معلم المدرسة مقارنة مع هؤلاء كافة هو مكانة فكرية تضاهي ما يتمتع به سواه من مدرسي الجامعات مثلا وأن السبب في فقدان ذلك إنما يعود إلى مجموعة من الظروف غير الاعتيادية والمقلقة حقا " (4).

أما المظهر الثاني للتبخيس فمرتبط بضعف الإعداد المهني للمعلم، وتزويده بعدة تكوينية لا تتيح له فرص الإبداع والكشف والارتقاء من مستوى ناقل ليصبح باحثا تحظى فعاليته بالمكانة اللائقة. أما بعد التحاقه بعمله فإن صلته بالمستجد التربوي تكاد تنقطع لغياب التوجيه المحفز على تطوير الأداء فيبدو المعلم وكأنه دُرب للقيام بالتدريس في عالم الأمس وليس في عالم الغد. وإذا حدث بالصدفة أن دُرب من أجل الغد فإن الحقائق ومقتضيات الأعمال التي يُكلف بها عند أول تعيين له سرعان ما تقيد جهوده، وسوف يكون نموه المهني من هذه النقطة وفي أحسن الأحوال مشكلا وخاصة إذا تعرض للعزلة والانفصال في مدرسة معينة في قرية نائية (5).


وينشأ المظهر الثالث للتبخيس عن إخفاق المنظومة التربوية في ملاحقة التطور العلمي السريع، والحد من قدرة البدائل التكنولوجية والإعلامية في التأثير سلبا على تنشئة الطفل وتوجيه اهتماماته. وكان من تبعات هذا الإخفاق أن تراجعت مكانة المعلم وهيبته أمام إغراءات التعلم البديل الذي تتفنن تكنولوجيا المعلومات في تيسيره للطفل.
ينضاف إلى ما ذُكر : توالي فشل السياسات التعليمية والزج بالمنظومة في دوامة التجريب اللامتناهي لوصفات بيداغوجية منزوعة من سياقها الاجتماعي، وغياب فلسفة تربوية واقعية ومتماسكة تلتئم حولها جهود المنظرين والفاعلين على السواء.
يذكر التاريخ أن ألمانيا لما حققت نصرا كاسحا على فرنسا في الحرب السبعينية سُئل القائد بسمارك : بم انتصرتم على فرنسا ؟ فقال قولته الشهيرة " لقد غلبنا جارتنا بمعلم المدرسة " في إحالة بليغة على الطاقة الخلاقة التي تنبعث في الأمة حين تصدق في كسب رهان التربية.

إن غضب المعلمين اليوم مؤشر على رفض صريح للبقاء في مؤخرة الركب وحرص على استعادة وهج المدرسة ودورها الآكد في تشكيل العقول وتحرير الطاقات المبدعة. ومالم تتظافر الجهود والعزائم لتفكيك خطاب اللمز والمساس بالوضع الاعتباري للمعلم فإن مشاريع التنمية والتحديث والاستجابة للتحدي الحضاري لن تبرح مربع الأماني وأحلام اليقظة !.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن الجوزي : أخبار الحمقى والمغفلين. دار الفكر اللبناني الأولى. 1990 . ص 149
(2) انظر : ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي . ص 95
(3) آدم ميتز : الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. المجلد الأول. دار الكتاب العربي . بيروت .د.ت . ص 344
(4) د. عبد العالي الجسماني : علم التربية وسيكولوجية الطفل. الدار العربية للعلوم .1990 . ص 22
(5) فيليب كومبز : أزمة التعليم في عالمنا المعاصر. دار النهضة العربية . 1971 . ص 230

منقول


_________________
أبوأيمن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamedabdou-2016.arabstar.biz
الحسين شعاب

avatar

عدد الرسائل : 794
العمر : 61
تاريخ التسجيل : 27/03/2009

مُساهمةموضوع: رد: حين يغضب المعلمون   الجمعة 25 يناير - 11:35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حين يغضب المعلمون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدرسة محمد عبده :: الفئة الأولى :: ركن الاساتذة-
انتقل الى: